المنجي بوسنينة

193

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الأرواح لقلنا إن روح الجاحظ في القرن التاسع المسيحي حلّت في روح فولتير في القرن الثامن عشر » [ مباحث ، 47 - 48 ] . أما عن ابن رشيق وبوالو فينفي ، رغم ما بينهما من تشابه واتفاق ، عن الثاني التأثر بالأول لأن كتاب العمدة ليس من الكتب التي تفيد الأدب الفرنسي حتى يترجم إلى الفرنسية مع ما ترجم من كتب الطب والحكمة والأمثال والحكايات . . إلخ . وفي الأخير وبعد البحث والمقارنة بينهما يصل إلى نتيجة هي « أن النقد في الأدبين العربي والفرنسي لا تختلف مذاهبه في الأصول والأسس ، وإن اختلفت فروعه وتفاصيله . وهذا حق ، خصوصا في مناهج النقد القديمة . وليس ذلك بعجيب فإن من صفات الأدب العالي أن يكون ما يستحسن منه عند أمة هو نفس ما يستحسن عند أمة أخرى . وتلك هي سمة العالميّة التي تلتقي فيها كلّ الآداب الرفيعة الحية » [ مباحث ، 42 ] . وهكذا يكون الحليوي بهذه المقارنات من أوائل النقاد التونسيّين الذين مهّدوا لظهور النقد المقارن بتونس ، ونبّهوا إلى سمة العالمية بين الآداب . ومن القضايا الهامة التي عالجها الحليوي في أكثر من مناسبة التعريف الحديث ببعض المفاهيم مثل مفهوم الشعر والشاعر . وهو في تعريفه لهما يكثر من نعوت الشعر الخالد [ في الأدب التونسي ، 203 ] ، والشعر الأصيل [ مباحث ، 12 ] ، والشاعر الحق [ في الأدب ، 218 ] ، والشاعر الحقيقي [ مباحث ، 12 ] ، وسنكتفي من تعريفاته وإشاراته إلى وظائفهما بقوله عنهما معا : « فأين نحن من حقيقة الشعر الخالد ؟ الشعر الذي هو أجلّ وأعلى صورة يتجلّى فيها الفكر الإنساني ؛ الشعر الذي يستمدّ من الوجود مادته ومن القلب وحيه ، ومن الموسيقى وقعه ونغمته ؛ الشعر الذي يخاطب الحواسّ بماديّة اللفظ ، ويناجي الروح بنورانيّة المعاني ، فيستولي على الإنسان كله جسما وروحا ، ويرفعه إلى الملائكة ، ويقرّبه من حظيرة القدس ، فيعبّ من نهر الحياة ، وينتشي بخمرة الجمال . وأين نحن من حقيقة الشاعر ؟ الشاعر الذي هو رسول الحياة لأبنائها الضائعين في دروبها الغامضة والمدلجين في ظلماتها المدلهمّة ، الشاعر الذي هو رائد الحضارة ، وباعث الثورة وحامل شعلة النور الإلهي إلى الأمم الراسفة في أغلال العبودية ، الماشية في حالك الظلمات » [ في الأدب التونسي ، 203 ] . وتكون هذه التعاريف ، وغيرها من المقاييس الجديدة التي دان بها من عوامل تفضيل شاعر على آخر مثلما فعل بعد الاستفتاء الذي قام به زين العابدين السنوسي سنة 1932 في مجلة « العالم الأدبي » لانتخاب الشعراء الثلاثة ، فيؤكد أن مقياس انتخاب هؤلاء الشعراء إنما يتمثل في أنهم أولئك الذين « انتهى إليهم تمثيل عصرهم في أخلاقه وعاداته ومطامحه وأمياله ونزعاته ، وبعبارة أشمل هم مرآة عصرهم ومعاصريه . . . » [ مع الشابي ، 40 ] ، كما يرى أيضا « وقد يكون أصحّ مقياس تقاس به عظمة الشاعر سعة شهرته وتخطّي اسمه قصيّ الآفاق وراء مديد البحار » [ م . س ] . ولكن الشابي على إعجابه بمقال الحليوي يستغرب منه ذينك المقياسين لأن الأول مما يحتم عليه القول بأن الشعر يجب أن يكون خادما أمينا للتاريخ ، والاعتراف بعظمة أولئك